سيد قطب
2237
في ظلال القرآن
ويلمس السياق في هذا الموضع وجدان الإنسان بذكر فضل اللّه على بني آدم ، ومقابلتهم هذا الفضل بالبطر والجحود ، فلا يذكرون اللّه إلا في ساعات الشدة . فإذا مسهم الضر في البحر لجئوا إليه . فإذا أنجاهم إلى البر أعرضوا . واللّه قادر على أن يأخذهم في البر وفي البحر سواء ! ولقد كرمهم اللّه وفضلهم على كثير ممن خلقه ، ولكنهم لا يشكرون ولا يذكرون . ويختم هذا الدرس بمشهد من مشاهد القيامة ؛ يوم يلقون جزاءهم على ما قدمت أيديهم ، فلا مجال للنجاة لأحد إلا بما قدمت يداه . « وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً . كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً » . . فقد قدر اللّه أن يجيء يوم القيامة ووجه هذه الأرض خال من الحياة ، فالهلاك ينتظر كل حي قبل ذلك اليوم الموعود . كذلك قدر العذاب لبعض هذه القرى بما ترتكب من ذنوب . ذلك ما ركز في علم اللّه . واللّه يعلم ما سيكون علمه بما هو كائن . فالذي كان والذي سيكون كله بالقياس إلى علم اللّه سواء . وقد كانت الخوارق تصاحب الرسالات لتصديق الرسل وتخويف الناس من عاقبة التكذيب وهي الهلاك بالعذاب . ولكن لم يؤمن بهذه الخوارق إلا المستعدة قلوبهم للإيمان ؛ أما الجاحدون فقد كذبوا بها في زمانهم . ومن هنا جاءت الرسالة الأخيرة غير مصحوبة بهذه الخوارق : « وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ . وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها . وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً » . إن معجزة الإسلام هي القرآن . وهو كتاب يرسم منهجا كاملا للحياة . ويخاطب الفكر والقلب ، ويلبي الفطرة القويمة . ويبقى مفتوحا للأجيال المتتابعة تقرؤه وتؤمن به إلى يوم القيامة . أما الخارقة المادية فهي تخاطب جيلا واحدا من الناس ، وتقتصر على من يشاهدها من هذا الجيل . على أن كثرة من كانوا يشاهدون الآيات لم يؤمنوا بها . وقد ضرب السياق المثل بثمود ، الذين جاءتهم الناقة وفق ما طلبوا واقترحوا آية واضحة . فظلموا بها أنفسهم وأوردوها موارد الهلكة تصديقا لوعد اللّه بإهلاك المكذبين بالآية الخارقة . وما كانت الآيات إلا إنذارا وتخويفا بحتمية الهلاك بعد مجيء الآيات . هذه التجارب البشرية اقتضت أن تجيء الرسالة الأخيرة غير مصحوبة بالخوارق . لأنها رسالة الأجيال المقبلة جميعها لا رسالة جيل واحد يراها . ولأنها رسالة الرشد البشري تخاطب مدارك الإنسان جيلا بعد جيل ، وتحترم إدراكه الذي تتميز به بشريته والذي من أجله كرمه اللّه على كثير من خلقه . أما الخوارق التي وقعت للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وأولها خارقة الإسراء والمعراج فلم تتخذ معجزة مصدقة للرسالة . إنما جعلت فتنة للناس وابتلاء . « وَإِذْ قُلْنا لَكَ : إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ، وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً » . ولقد ارتد بعض من كان آمن بالرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بعد حادثة الإسراء ، كما ثبت بعضهم وازداد يقينا . ومن ثم كانت الرؤيا التي أراها اللّه لعبده في تلك الليلة « فِتْنَةً لِلنَّاسِ » وابتلاء لإيمانهم . أما إحاطة اللّه بالناس فقد كانت وعدا من اللّه لرسوله بالنصر ، وعصمة له من أن تمتد أيديهم إليه .